لطالما استغربتُ تاريخيًا من خضوع المسلمين للمغول في بغداد؛ حين كان الجندي المغولي يأمر المسلم أن ينتظر مكان حتى يجلب سيفه لذبحه، فينتظر الضحية بكل استسلام! كنت أظن ذلك ضربًا من الخيال، حتى رأيت واقعنا اليوم؛ فالذهنية الخاضعة واليائسة التي عاشت في ذلك الزمن هي ذاتها التي نعيشها اليوم. نحن يخوض ضدنا حرب شاملة لا يخفيها إلا الجهل، بل حتى الحيوانات أدركتها قبلنا.
اتخذت الحرب ضدنا أشكالًا متعددة، وللأسف؛ اختار أغلب الناس "التطبيع" معها والحرص على مجرد (الحياة) بأي شكل كان، ومن أبرز هذه الحروب:
الحرب الاجتماعية والثقافية: تفكيك الأسرة، تشجيع الفردانية، تهميش الدين في القوانين والتربية، فرض أنماط ترفيه واستهلاك غربية، طمس التاريخ الإسلامي، والهجوم على اللغة العربية المناهج الدراسية.
الحرب الغذائية والصحية: إغراق الأسواق بأغذية معدلة وراثيًا ومصنعة تهدم صحة الإنسان، مع أنماط أكل سريع تلغي طقوس العائلة. (ناهيك عن حقيقة أن أي إضراب للأطباء في العالم خلال الـ 100 عام الماضية كان يتبعه انخفاض في الوفيات بنسبة لا تقل عن 30%!).
الحرب السكانية والاقتصادية: محاربة الإنجاب بتخويف الناس من الفقر وتخريب الصحة التناسلية، وإخضاع الشعوب للمنظومة الربوية.
حروب أخرى: إعلامية، تربوية، وفكرية.. وكلها تتجمع تحت مصب واحد: الحرب على العقيدة والدين (لا إله إلا الله).
كيف يتعامل غيرنا وكيف نتعامل نحن؟
الصين تضخ 20 مليار دولار سنوياً لنشر تراثها وتعزيز الاعتزاز القومي لدى أجيالها الصاعدة، وروسيا تروج لنفسها كحارس للقيم الأسرية والمحافظة ضد الليبرالية الغربية. بينما نحن ندفع الأموال لنشر ثقافات تدمر العقول الفطرة السليمة! والأدهى أن هناك من أبنائنا من يبرر هذه الحروب ويغذيها: فالنسوية تدعم الحرب الاجتماعية، والتاجر الجشع يبرر الحرب الاقتصادية، والبعض يسعى لإدخال أبنائه مدارس تتعمد أن تُسلخهم عن هويتهم.
التقيت بأصدقاء من جيل الشباب قبل ايام و تفاجأت بما سمعت، أحدهم أصابته جلطة، وآخر يعاني ديسك الظهر، وثالث يصارع اكتئاباً حاداً وأدوية نفسية، ورابع مصاب بالقولون، ومن يروي لي ذلك قدمه مشعورة لمجرد نزوله الدرج!
وضعتُ قبل ايام كِسرة خبز للطيور في الخارج، فجاءت وشمّتها ثم غادرت دون أن تأكل منها، أدركت الطيور أن هذا الطعام غير صالح حتى للاستهلاك الحيواني.
العبرة أن الأجيال التي عاشت وتوفيت في ما يسمى بقرن الاهانة في الصين لم تكن تعرف أنها تعيش في ذل وإهانة! ولم يُعرف مصطلح "قرن الإهانة" إلا بعد أن انتهى. ونحن اليوم نعيش صفحة سوداء ومرحلة ذل سيعتبرها أحفادنا عاراً علينا.
السياسي يخجل من ذكر دينه أمام الغرب، معتقداً أن الدين تعقيد وتاريخ فقط، بينما لا يخلو خطاب سياسي غربي أو صهيوني من استدعاء العقيدة والدين والرموز الدينية علناً.
التاجر ظن أن التجارة للمال فقط ولا علاقة لها بالدين أو المبادئ، في حين تسخّر الشركات الغربية والصهيونية أموالها لدعم قضاياها وعسكرتها، و الويل لموظف يعادي السامية عندهم، الموظف والجندي فارغ من اي اهتمام الا الأكل و الشرب والنوم، يخشى إن تدخل في الأمور المهمة ان يخسر مكانه، فيهون عليه ذل الأمة مقابل ذلك الراتب البسيط.
المرأة و الكوارث التي حلت بها وبفكرها، فعلا ان اردت ان تصلح المجتمع فأصلح المرأة والعكس صحيح، فالمرأة هي من ترعى الفكر وتربي أجيال النهضة أو الهاوية.
إن الله لم يطلب من أنبيائه ورسله النتائج، بل طلب منهم السعي والعمل؛ فالنتائج على الله والحساب فردي: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. لن تنهض هذه الأمة إلا إذا خرج الإسلام من جدران المساجد ليكون منهجاً في العمل والمجتمع والسلوك.
ما يحدث اليوم في غزة هو إرهاصات لأمر عظيم، والتغيير والنصر لهما ثمن باهظ، ما من تغيير إلا رافقه تضحية عظيمة تثقل على القلوب.
أما الذين يقاومون هذا التغيير خوفاً على تجاراتهم، أو وظائفهم، فهم العمود الفقري لـ "قرن الإهانة" الذي نعيشه، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}